الشيخ حسن الجواهري
70
دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي
نعم إنَّ مَنْ زلّ زلّة واضحة سَهُلَ الحكم عليه ، ولكن ماذا يُصنع بمستور الحال ؟ ثم إنَّ أحكام الناس على الرجال تختلف كل الاختلاف ، فبعض يوثق رجلًا وآخر يكذّبه ، والبواعث النفسية على ذلك لا حصر لها ، ثم كان المحدِّثون أنفسهم يختلفون في قواعد التجريح والتعديل ، فبعضهم يرفض حديث المبتدِع مطلقاً كالخارجي والمعتزلي ، وبعضهم يقبل روايته في الأحاديث التي لا تتصل ببدعته ، وبعضهم يقول إن كان داعياً لها لا تقبل روايته ، وإن كان غير داع قبلت ! . وبعض المحدّثين يتشدّد فلا يروي حديث من اتصلوا بالولاة ودخلوا في أمر الدنيا مهما كان صدقهم وضبطهم ، وبعضهم لا يرى في ذلك بأساً متى كان عدلًا وصادقاً ، وبعضهم يتزمّت ، فيأخذ على المحدث مزحة مزحها ، كالذي يروي أنَّ بعض مجّان البصرة كانوا يصنعون صرر نقود في الطريق ويختفون ، فإذا انحنى المار لأخذها صاحوا به فتركها خجلًا وضحكوا منه ! فأفتى بعض المحدّثين أنْ يملأ صرّة من زجاج مكسَّر ، فإذا صاحوا به وضع صرّة الزجاج وأخذ صرّة الدراهم عقاباً لهم وتأديباً ، فجرحه بعض المحدِّثين من أجل ذلك ، وعدّله بعضهم إذ لم ير به بأساً . إلى غير ذلك من أسباب يطول شرحها ، ومن أجل هذا اختلفوا اختلافاً كثيراً في الحكم على الأشخاص ، وتبع ذلك اختلافهم في صحة روايته والأخذ عنه » « 1 » . أقول : إنَّ كلام الدكتور أحمد أمين ، يفوح منه الاعتذار للبخاري ، ولا أريد أن أقول إنَّ الاعتذار غير صحيح ، ولكن لا يمكننا أن نقول إنَّ ما بين دفتي البخاري صحيح كله ، وهو من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، بل لابدّ من إخضاعه للبحث
--> ( 1 ) ضحى الإسلام : 2 / 117 - 118 .